الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

25

مناهل العرفان في علوم القرآن

المقدار من آية واحدة طويلة . فقد تحدى اللّه أئمة البيان أن يأتوا بسورة من مثله ، وأقصر سورة هي سورة الكوثر ، وآياتها ثلاث قصار . وإذا كان أئمة البيان في عصر ازدهاره والنباغة فيه قد عجزوا فسائر الخلق أشد عجزا . ولقد فرغنا من أن بلاغة القرآن منوطة بما اشتمل عليه من الخصوصيات والاعتبارات الزائدة وأنت خبير بأنها سارية فيه سريان الماء في العود الأخضر أو سريان الروح في الجسم الحي ، وأن نظم القرآن الكريم مصدر لهداياته كلها سواء منها ما كان طريقه هيكل النظم ، وما كان طريقه تلك الخصوصيات الزائدة عليه . وهنا يطالعك العجب العاجب حين تجد دليل صدق الهداية الإسلامية قد آخاها ؛ واتحد مطلعهما في سماء القرآن فأداه وأداها ! ! . التعبد بتلاوة القرآن : المقصد الثالث من نزول القرآن أن يتعبد اللّه خلقه بتلاوته ، ويقربهم إليه ويأجرهم على مجرد ترديد لفظه ولو من غير فهمه ، فإذا ضموا إلى التلاوة فهما زادوا أجرا على أجر ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ . و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ حرفا من كتاب اللّه تعالى فله حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف » رواه الترمذي وقال : حسن صحيح . وروى الحاكم مثله مرفوعا وقال : صحيح الإسناد وجاء في حديث آخر عن أنس أنه قال : أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن وسنده ضعيف غير أنه يتقوى بغيره ثم إن هذه خصيصة امتاز بها القرآن ، أما غيره فلا أجر على مجرد تلاوته ، بل لا بد من التفكر فيه وتدبره ، حتى الصلاة التي هي عماد الدين ، ليس للمرء من ثوابها إلا بمقدار ما عقل منها . .